حسن بن عبد الله السيرافي

193

شرح كتاب سيبويه

المعنى المقصود ، وهذا إنما يستعمل فيما لا يستعمل الفعل فيه ، ولا يحسن إلا في موضع الدعاء به . ألا ترى أن الإنسان الزائر إذا قال له المزور : مرحبا وأهلا ، فليس يريد رحبت بلادك وأهلت . إنما يريد : أصبت رحبا وسعة وأنسا . لأنّ الإنسان إنما يأنس بأهله ، ومن يألفه . ( وقد مثله الخليل أنه بمنزلة رجل رأيته قد سدّد سهما فقلت القرطاس ، أي : أصاب القرطاس ، أي : أنت عندي ممّن سيصيبه ، وإن أثبت سهمه قلت : القرطاس أي : قد استحق وقوعه بالقرطاس . قال : وإذا رأيت رجلا قاصدا إلى مكان أو طالبا أمرا فقلت : مرحبا وأهلا وسهلا ، أي : أدركت ذلك وأصبت ، فحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه ) . قال : ويقول الرّادّ : وبك أهلا وسهلا ، وبك وأهلا ، فإذا قال : وبك وأهلا فكأنه قد لفظ بمرحبا بك وأهلا وسهلا . ( وإذا قال : وبك أهلا فهو يقول : لك الأهل ، أي : عندك الرّحب والسّعة ، فإذا رددت فإنّما تقول : أنت عندي بمنزلة من يقال له : هذا لو جئتني وإنما جئت ب " بك " لتبيّن من تعني بعد ما قلت : مرحبا كما قلت : لك بعد سقيا ) . قال أبو سعيد : هذا الكلام تقديره أن يقوله الرجل الذي يدخل إذا قال له المدخول عليه : مرحبا وأهلا ، فيردّ فيقول : وبك وأهلا كأنه قال : وبك مرحبا وأهلا ، وإنما هذه تحية المزور ومن يدخل عليه ، يحيي بها الزائر المزور على معنى أنك أصبت عندي سعة وأنسا . وإذا قال الزائر : وبك أهلا ، والحال لا تقتضي من الزائر أن يصادف المزور عنده ذلك فيحمل على معنى : أنك لو جئتني لكنت بهذه المنزلة ، وإذا قال : وبك أهلا ، فإنما اقتصر في الدعاء له على معنى الأهل فقط من غير أن يعطفه على شيء قبله ، كأنّ الرّحب والسّعة قد استقرا استقرارا يغنيه عن الدّعاء ، وأمّا مجيئه ب " بك " ، فللبيان أنه المعنيّ به لا لأنّه المتصل بالفعل المقدّر كما كان قولك : " سقيا لك " ، تقديره : سقاك اللّه سقيا ولك ، كأنّه قال : هذا الدعاء لك على تقدير آخر غير تقدير سقاك اللّه . قال : ( ومنهم من يرفع فيجعل ما يضمر هو ما يظهر ) .